الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
21
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأرض وقت نزول الآية ، وليس للمسلمين يومئذ تمكين . والالتفات هنا عكس الالتفات في قوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ . والمعنى أنّ الأمم الخالية من العرب البائدة كانوا أشدّ قوة وأكثر جمعا من العرب المخاطبين بالقرآن وأعظم منهم آثار حضارة وسطوة . وحسبك أنّ العرب كانوا يضربون الأمثال للأمور العظيمة بأنّها عادية أو ثمودية أو سبئية قال تعالى : وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي عمر الذين من قبل أهل العصر الأرض أكثر ممّا عمرها أهل العصر . والسماء من أسماء المطر ، كما في حديث « الموطأ » من قول زيد بن خالد : صلّى لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على إثر سماء ، أي عقب مطر . وهو المراد هنا لأنّه المناسب لقوله : أَرْسَلْنَا بخلافه في نحو قوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً * . والمدرار صيغة مبالغة ، مثل منحار لكثير النحر للأضياف ، ومذكار لمن يولد له الذكور ، من درّت الناقة ودرّ الضرع إذا سمح ضرعها باللبن ، ولذلك سمّي اللبن الدّر . ووصف المطر بالمدرار مجاز عقلي ، وإنّما المدرار سحابه . وهذه الصيغة يستوي فيها المذكّر والمؤنّث . والمراد إرسال المطر في أوقات الحاجة إليه بحيث كان لا يخلفهم في مواسم نزوله . ومن لوازم ذلك كثرة الأنهار والأودية بكثرة انفجار العيون من سعة ري طبقات الأرض ، وقد كانت حالة معظم بلاد العرب في هذا الخصب والسعة ، كما علمه اللّه ودلّت عليه آثار مصانعهم وسدودهم ونسلان الأمم إليها ، ثم تغيّرت الأحوال بحوادث سماوية كالجدب الذي حلّ سنين ببلاد عاد ، أو أرضية ، فصار معظمها قاحلا فهلكت أممها وتفرّقوا أيادي سبا . وقد تقدّم القول في معنى الأنهار تجري من تحتهم في نظيره وهو أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في سورة البقرة [ ] . والفاء في قوله : فَأَهْلَكْناهُمْ للتعقيب عطف على مَكَّنَّاهُمْ وما بعده . ولمّا تعلّق بقوله : فَأَهْلَكْناهُمْ قوله : بِذُنُوبِهِمْ دلّ على أنّ تعقيب التمكين وما معه بالإهلاك وقع بعد أن أذنبوا . فالتقدير : فأذنبوا فأهلكناهم بذنوبهم ، أو فبطروا النعمة فأهلكناهم ، ففيه إيجاز حذف على حدّ قوله تعالى : أن اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ الآية ، أي فضرب فانفجرت إلخ . ولك أن تجعل الفاء للتفصيل تفصيلا ل أَهْلَكْنا الأول على نحو قوله تعالى : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا في سورة الأعراف [ ] . والإهلاك : الإفناء ، وهو عقاب للأمّة دالّ على غضب اللّه عليها ، لأنّ فناء الأمم لا